(كتب فوزي عساكر رئيس تَحرير مجلة العالـمية)

كان أبناء إحدى القرى يأخذون أبقارَهم كلَّ يوم إلى الحقل الكبير، حيث المرعى، ويتركونَها هناك ليذهبوا إلى أشغالهم، ويعودوا في المساء ليقتادوها إلى الزريبة. وكلّما أوصل أحدٌ بقرته إلى الحقل، أوكلها إلى قديس معيّن ليرعاها ويَحميها من الذئاب والضباع.

وصودفَ أن عادوا ذات يوم، وكانت بقرة أحدهم قد فُقِدَت، فراح يبكي ويولول، فسأله أحدهم: «مَن أوكلتَ بِها من القديسين عندما تركتَها صباحًا؟» أجابه: «لا لأحد القديسين، إنّما لله وحده». فقال له صديقه: «إذًا لِمَن تشكو يا صاحبي؟ فهذا نصيبك! لو أوكلتَ أحد القديسين بِها وضاعت، لكنتَ شكوتَهُ إلى الله، ولكنّكَ أوكلتَها لله ربّ القديسين، وضاعت، فإلى مَن تشكو بعد ذلك؟!»

ونَحن في هذا الوطن، أوكلنا أمرنا لزعماء لا ربَّ لهم ولا فوقهم، فإلى مَن نشكو، وقد تَخلّى الجميع عنّا، فصار الشعب في الشوارع والزعماء في القصور، والحواجز الإسـمنتيّة وخراطيم المياه والقنابل المسيّلة للدموع بين الشعب والزعماء! والمؤسف، أننا نرى الشعبَ حينًا يثور في الشوارع لاعنًا مسؤوليه، منشدًا: «كلُّن يعني كلُّن»، وفي اليوم التالي نرى الشعبَ نفسه في مظاهراتٍ تنادي بِحياة الزعماء الذين لعنهم في اليوم السابق!

نَحن شعبٌ غير مؤهَّل لبناء دولة على قياس وطن، فتعوّدنا على الحكم العثماني أربعمئة سنة، وبعده تَحت الانتداب الفرنسي، ثمّ الولاء لجمال عبد الناصر وحلم الوحدة العربيّة، ثمّ لجمهوريّة اتّفاقيّة القاهرة والكابوس الفلسطيني المسلّح ولا نزال، وبعدها لظلم الشقيقة سوريا واستبدادها بنا لثلاثين سنة، واليوم نَحن خاضعون لِمزاجيّة الدول التي تُموّل الأحزاب اللبنانيّة التي «تشتغل» لِحسابِها.

نعقد جلسات حوار، والقرار في الخارج عند الذي يدفع، فلماذا الحوار، ولماذا ننادي بقانون انتخابات يسنّه الزعماء أنفسهم وعلى قياسهم في كلّ مرّة؟!

إنّ الحلّ الوحيد للسلام في لبنان، هو عودة الانتداب، وتوكيل الأمَم المتحدة بتعيين لجنة دوليّة لا يشترك فيها لبنانيٌّ واحد، تصوغ لنا قانون انتخابات عادلاً على قياس وطن، فيولد الوطن، قبل أن يَهجر أبناؤنا هذه الأرض، يفتّشون عن وطن، ولو ماتوا غرقًا هاربين في البحار الغادرة، قرفًا من زعماء هذا الوطن!

فوزي عساكر

Leave a Reply

00:00
00:00
error: Content is protected !!

Discover more from RADIOSOURFM

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading